إن الدعوة كغيرها من الأعمال تحتاج إلى دربة وخبرة، وما من عمل أتقنه صاحبه بالفطرة، مصداق ذلك قوله تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } . وموسى عليه السلام طلب الاستعانة بذي الخبرة حين قال : { واجعل لي وزيرا من أهلي.هارون أخي.أشدد به أزري وأشركه في أمري }.كما أن مما رشحه أن يؤاجره صاحب مدين للعمل توفر الشرطين الذين ذكرتهما إحدى البنتين : { إن خير من استأجرت القوي الأمين }.وطالوت استحق الملك بما أوتي من بسطة في العلم والجسم.
وهكذا يجب أن يمضي الدعاة، يجابهون الصعاب ويواجهون المواقف بمهارات مكتسبة، وخبرات مجتناة، ودربة مستقاة.ما أعظمها من همة لا تترك لكلمة ( ظروف ) حجة لمحتج، أو عذرا لمعتذر، إنه يأبى إلا الكمال، لأن النفوس الكاملة تستقبح النقص :
ولم أر في عيوب الناس عيبا = كنقص القادرين على التمـام
وتكامل الداعية في إتقان الأسباب مواز ليقينه في معونة الله تعالى، لأنها لا تأتي إلا على قدر المئونة، وهداية التوفيق منوطة باتباع هداية الإرشاد، والله لا يضيع أجر المحسنين .
إذا أسند إلى أحدهم عمل من أعمال الدعوة أقبل عليه بالدرس والتحليل والتمحيص، واقترح الأساليب ودرس إمكانية تطبيقها، والعوائق التي قد تحول دون نجاحها، كما يدرس النتائج المتوقعة واحتمالات الفشل والبدائل المقترحة
إن الداعية الناجح ذو قلب عقول ولسان سؤول، يبغض الجهل، ويعظم العلم، ويحترم التخصص، يرفض أن يقوم بعمل لا يتقنه حتى يتقنه.فهو لا يحتج بعدم الإتقان على ترك العمل، بل يعتذر عن العمل ريثما يتقنه ويقوم به حق القيام .
إن الداعية الناجح إذا أسندت إليه خطبة حال كونه لا يجيد الخطابة، استأذن أصحابه شهرا ليتعلم فن الخطابة ويجيد أساليبها، ليرقى المنبر متمكنا من صنعته مالئا مكانه الذي وضع فيه .
إن الداعية الناجح إذا اكتشف أنه لا يتقن محادثة الناس على الملأ، هرع إلى المكتبات يبحث عن الكتب التي صنفت في كيفية تنمية مهارات المحادثة ومواجهة الجماهير .
إن الداعية الناجح إذا خطب في موضوع أشبعه، وإذا تحدث في قضية أتى على تفاصيلها فلم يترك تعقيبا لمعقب .
إن مشاريع الدعاة الناجحين لا يعتريها الفشل من قبل تقصيرهم، أو يصيبها الشلل بسبب أخطائهم، بل بأقدار وحكم لا يعلمها إلا الله تعالى. وهم في بذلهم الوسع مثل الأنبياء الذين مكثوا في أقوامهم مئات أو عشرات السنين ثم لا يأتون يوم القيامة مع أقوامهم إلا بالرهط وبالواحد والاثنين وربما يأتي النبي وليس معه أحد .
المهارات الدعوية تخصص
والمهارات الدعوية تخصص يجب أن نؤمن به ونحترمه، فليس كل عالم داعية والعكس صحيح أيضا، وكم من علماء متخصصين ملؤوا الدنيا علما ولكنهم ربما يفشلون في أي موقف دعوي ساذج . وكما يجب على الدعاة ألا يفتئتوا على وظيفة العلماء في الفتوى والإفادة، فيجب على العلماء ألا يحتكروا الدعوة بزعم احتكارهم للعلم .
والواقع يشهد بأن المهارات الدعوية صارت تتطلب تخصصات مختلفة ومعقدة لا يسد احتياجاتها المتخصصون في الفقه والحديث .
فالدعوة تحتاج إلى المربين لمختلف الأعمار، والذي يتعهد الأطفال والصبية الصغار ليس كمن يربي الشبيبة المراهقين، ومن يعنى بمقارعة المنصرين ومجابهة العلمانيين لن يتفرغ كثيرا للاهتمام بسد حاجة الفقراء المسلمين مثلا .
إنها وظائف كثيرة، تحتاج إلى جهود متضافرة، وفي نفس الوقت إلى مهارات مكتسبة تتناسب وتلك الوظائف . إذ لم يعد من المقبول أن يقوم داعية واحد بكل تلك الأنشطة التي ذكرناها، أو يهتم بها ويفكر فيها، إن ذلك سيؤدي به إلى خلل في الأداء أو قصور في التخطيط والتنظيم ولا ريب . فناسب حينئذ أن تتوزع اختصاصات الدعوة على الدعاة، مع ضرورة أن يقوم كل داعية بإتقان الدور الذي أسند إليه وأن يتخصص فيه، ويعد نفسه أن يكون مرجعا لغيره من الدعاة فيما أسند إليه .
إننا لن نستطيع إيجاد العالم الموسوعي، والداعية الجامع لكل الفنون والعلوم، إلا أن يكون ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن ينبغي أن نتعامل مع السنن الكونية بواقعية، وألا نركن إلى الأماني الكاذبة والأحلام الشاردة .
مجال واسع
ومن الواقعية بمكان أن يدرك الدعاة أن مجال الدعوة واسع الأرجاء، وأنه يحتاج إلى جهود جبارة، وطاقات هائلة، وسواعد متضافرة . وأن الساحة مليئة بالأعداء الذين أتقنوا كل المهارات الممكنة للمواجهة مع الإسلام، وأنهم يعدون العدة الكاملة لاستئصال الدين، وأن عدتهم في ذلك متكاملة التجهيز والتنسيق، وأنهم متفقون على تسخير كل تقنية متاحة في نصرة باطلهم.
وبإزاء ذلك يتعامل بعض الدعاة مع واقعهم بسذاجة وبساطة لدرجة تدعو للرثاء أو الشفقـة، مدفوعين بعواطف صادقة لكنها لا تغني فتيلا أمام سنة الله التي لن تجد لها تبديلا . فسنة الله لا تحابي أحدا، حتى الأنبياء والمرسلين، اجترفتهم أقدار الإله لما حصل التقصير من بعض أتباعهم. أخذت الرجفة موسى ومن اختاره لميقات ربه بفعل بعض السفهاء، ويهزم جيش فيه خير البشر وخيرة الله من العالمين محمد صلى الله عليه وسلم لأن من جنده من كان يريد الدنيا .
إن المسلمين قد عاشوا - للأسف - قرونا في ظل ثقافة تواكلية، وتحت سقف سلبية مقننة، وقد وجد من علماء المسلمين - للأسف أيضا - من يقعد مبدأ السياحة في الأرض والخلوة في الفيافي في وقت كان التتار يدكون حصون الشام والصليبيون يدكون حصون مصر .
إن في بعض الأدبيات الصوفية جنوح لما يمكن أن نسميه دعوة للكسل والخمول، ولن نعجب أن يستقر في أذهان العامة أن الصوفية أو رواد المساجد في الجملة أصحاب بطون، أو أنهم عشاق الفَتَّة .
إن هذه الثقافة التواكلية سرت في وجدان الأمة حتى أضحت عقيدة يُعْتدُّ بها ومَهْيَعا يرتاده كل من أراد التدين.ولا أغالي إذا قلت إن شيئا من هذه التواكلية سرى إلى أوصال الصحوة المباركة بفعل التجاور والمعاشرة .

































[16:59

- معرفة الله عز وجل من خلال أسمائه وصفاته وأفعاله.
[15:41