بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..
فكثيرًا ما يستوقفني التحذيرُ النبويُّ: "مثل الذي يعلِّم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للناس وتحرق نفسها" (صحيح- رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5837)).
فالحديث يُنذِر بعواقب وخيمة لكل من ينشغل بالناس عن نفسه، وإن كان هذا الانشغال في مجال دعوتهم وخدمتهم.
والحديث يحذِّر هؤلاء بأن مصيرَهم سيكون كمصير الشمعة التي كانت في وقت ما تضيء لمن حولها، ولكن كان المقابل لهذه الإضاءة هو ذوبانَها ونقصانَها، حتى انتهى بها الأمر إلى الاحتراق التامِّ، فلا هي حافظت على ذاتها، ولا هي تستطيع أن تنفع غيرها.
وغنيٌّ عن البيان أن هذا التحذيرَ ليس معناه الاهتمام بالنفس فقط وترك الناس، فمن يفعل ذلك يقع في نطاق تحذير آخر كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾ (الأنفال)، وقوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلاَّ بَلاغًا مِنْ اللهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23)﴾ (الجن)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).
فلا بد من الأمرين معًا: ألا نهمل أنفسنا، وألا نهمل الآخرين، ولو جاز لأحد أن يترك نفسه بدون زاد، لجاز لسيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، فمع انشغاله الشديد بتبليغ دعوة ربه؛ نجد الخطاب الإلهي الموجَّه إليه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7)﴾ (الشرح).. يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره معلقًا على هذه الآية: أي إذا فرغت من الجهاد ودعوة الناس، فانصب للعبادة.
أوقات مخصوصة
ولئن كان التوازن بين العمل مع النفس والعمل مع الآخرين مهمًّا وضروريًّا في كل الأوقات؛ إلا أن هناك أوقاتًا طارئةً قد يغلب عليها جانبٌ دون الآخر، فأوقات الكوارث والمحن التي تصيب الناس تدفع المسلم إلى بذل الجهد معهم لتخفيف معاناتهم أكثر مما يبذله مع نفسه، وفي المقابل فهناك أوقاتٌ يُفضَّل فيها الاهتمام بالنفس أكثر من الاهتمام بالآخرين؛ لتعويض ما فات، واستعادة العافية الإيمانية من جديد، ويقف على رأس تلك الأوقات: شهر رمضان..
إن هذا الشهر يمثِّل فرصةً ذهبيةً لإحياء القلب وعمارته بالإيمان، وانطلاقه في رحلة السير إلى الله؛ لما قد اجتمع فيه من عبادات متنوعة؛ مثل الصيام، والصلاة، والقيام، وتلاوة القرآن، والصدقة، والاعتكاف، والذكر، والاعتمار، و..
هذه العبادات إذا ما أحسنَّا التعامل معها فإن أثرها سيكون عظيمًا في إحياء القلب وتنويره وإصلاحه لينصلح تبعًا لذلك السلوك.
أما إن أهملناها أو تمَّ التعامل معها بصورة شكلية محضة فسيبقى الحال على ما هو عليه.. ستبقى الأخلاق هي الأخلاق، والنفوس هي النفوس، والاهتمامات هي الاهتمامات.. والواقع هو الواقع، وستستمر الشكوى بعد رمضان من الفتور وضعف الهمة والتثاقل إلى الأرض.
الغنيمة الباردة
ولعل من أهم الأمور التي تُعين المسلم بإذن الله على الاستفادة من رمضان؛ هو إدراكه أن هذا الشهر يُعدُّ بمثابة (الغنيمة الباردة) التي يمكنه من خلالها إيقاظ الإيمان وتجديده في قلبه والتزوُّد بالتقوى، وأن هذه الغنيمة لا يمكن إدراكها من خلال القيام بأشكال العبادات دون تحرُّك القلب معها، وهذا يستدعي منه تفرُّغًا- إلى حدٍّ ما- من الشواغل التي تشوِّش على عقله، وتصرِفُه عن الحضور التجاوب القلبي مع الأداء البدني للعبادات.
ويحتاج الأمر كذلك إلى عدم إجهاد البدن قدرَ المستطاع، فكلما أُجهد البدن ثقلت العبادة وغاب أثرها في القلب.
ومما يدعو للأسف أن البعض يظن أن قيامه بنوافل العبادات كصلاة القيام وهو في حالة من الإجهاد البدني والشعور الشديد بالتعب أفضل من عدم قيامه بها؛ لأنه يتوهَّم بأنه لو تركها وأخلد للراحة بصورة مؤقتة فسيفوته الخير المترتب على أدائه تلك النافلة مع الجماعة، مع أنه لو رقد قليلاً ثم استيقظ بعد ذلك هادئ النفس مرتاح البدن؛ لأدَّاها بصورة أفضل، ولكان ذلك مدعاةً لحضور قلبه وعقله معها، ويكفيك في بيان ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما ي